الفيض الكاشاني
36
عين اليقين الملقب بالأنوار والأسرار
من نقطة إلى أخرى بحركة شيء منها ، وكذا الأجزاء المباينة لها ، تهوي إليها وهي تقبلها من جميع نواحيها من دون اضطراب . نعم ، لما كانت أولا كرة حقيقية لم تثبت على وضع واحد ، بل كانت تتحرك الحركة الوضعية بأدنى سبب ؛ لأنّ بعض أوضاعها لم تكن أولى من بعض ، فخلق اللّه سبحانه بلطيف صنعه الجبال عليها ؛ ليخرجها عن كونها حقيقية لتثبت ولا تضطرب ؛ لأنّ الجبال بما بينها من الأهوية والمياه تقاوم الرياح والأمواج أن تحرّكها ، فتثبت ، وإذا ثبتت ثبتت الأرض بثباتها ؛ ولذلك سمّيت الجبال أوتادا ، فإنّ الوتد يوجب ثبات ما يربط به . وأيضا فإنّ الجبال تحفظها وتمنعها من أن تتحرّك بالزلازل ، ونحو ذلك ، فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها ، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها ، فجعلها لخلقه مهادا ، وبسطها لهم فراشا ، فوق بحر لجّيّ راكد ، لا يجري ، وقائم لا يسري ، تكركره الرياح العواصف ، وتمخضه الغمام الذوارف ، أمسكها من غير اشتغال ، وأرساها على غير قرار ، وأقامها بغير قوائم ، ورفعها بغير دعائم ، وحصّنها من الأود والاعوجاج ، ومنعها من التهافت والانفراج ، أرسى أوتادها ، وضرب أسدادها . قال عز اسمه : وَالْجِبالَ أَرْساها « 1 » ، وقال جل وعز : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً * وَالْجِبالَ أَوْتاداً « 2 » ، وقال سبحانه : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ « 3 » ، هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ
--> ( 1 ) - سورة النازعات ، الآية 32 . ( 2 ) - سورة النبأ ، الآية 6 و 7 . ( 3 ) - سورة النحل ، الآية 15 .